قواعد في الاجتهاد والفتوى | الامام القرطبي

سلام عليكم أعزائي الكرام في هذه التدوينة سأعرض عليكم موضوع قواعد في الجتهاد والفتوى، يتضمن الموضوع التعريف بالإجتهاد والفتوى، أيضا قواعد الإجتهاد والفتوى وتطبيقاتها.


تعريف الاجتهاد والفتوى،  قواعد الاجتهاد والفتوى وتطبيقاتها

قواعد في الاجتهاد والفتوى


المطلب الأول: تعريف الاجتهاد والفتوى

أ – تعريف الاجتهاد في اللغة

الاجتهاد: (جهد) بفتح الجيم وضمها الطاقة وقرئ بها قوله تعالى "والذين لا يجدون إلا جهدهم" {سورة التوبة الآية 79} والجهد بالفتح المشقة: (جهد) دابته وأجهدها، إذا حمل عليها في السير فوق طاقتها وجهل الرجل في كذا أي جد فيه وبالغ وبابهما فتع، و(جهد) الرجل على مالم يسم فاعله فهو مجهود من المشقة وجاهد في سبيل الله مجاهدة وجهادا والاجتهاد ولتجاهد بذل الوسع والمجهود1.


ب – تعريف الاجتهاد اصطلاحا:

الاجتهاد اصطلاحا: بذل الجهد في تعرف الحكم الشرعي، والتام منه: ما انتهى إلى حال العجز عن مزيد طلب.
وقال الامدي: هو استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه.
وقال القرافي: هو استفراغ الوسع في المطلوب لغة، استفراغ الوسع في النظر فيما فيه يلحفه فيه لوم شرعي اصطلاحا2.


ج – تعريف الفتوى

الفتوى لغة: اسم مصدر بمعنى الإفتاء والجمع الفتاوى والفتاوى يقال أفتيته فتوى وفتيا إذا أجبته عن مسألته، والفتينا تبين المشكل من الأحكام وتفاتوا إلى فلان أي تحاكموا إليه وارتفعوا إليه في الفتينا.


د – تعريف الفتوى في الاصطلاح

عرفها القرافي: الفتوى إخبار عن حكم الله تعالى في إلزام أو إباحة.
وقال الجرجاني: الإفتاء بيان حكم المسألة.
وعرفها ابن الصلاح: قيل في الفتينا إن توقيع عن الله تعالى.


المطلب الثاني: قواعد الاجتهاد والفتوى وتطبيقاتها.

أ – قاعدة: الاجتهاد أصل من أصول الفقه

توضيح القاعدة

الاجتهاد أصل مهم من أصول الفقه ودليل من أدلة، ولذا تعبدنا الله به، ابتداء من الرسول صلى الله عليه وسلم وانتهاء بسائر الأمة القادرين عليه وهو أعم من القياس.


تطبيق القاعدة

مثال الاجتهاد وأصل من أصول الفقه قتادة: كان الرضاع واجبا في الحولين، وكان يحرم الفطام قبله ثم حذف وأبيح الرضاع أقل من الحولين بقوله "فإن أرادا فصالا". وفي هذا دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام بإحكام الله تعالى للوالدين، التشاور فيما يؤدي إلى صلاح الصغير وذلك موقوف على غالب ظنونها، ظنونهما لا على الحقيقة واليقين.


ب – قاعدة لا اجتهاد إلا من المجتهدين

توضيح القاعدة

جاز الإنسان أن يجتهد في المسائل فيفتي نفسه وغيره ويحكم على غيره ويجوز أن يجتهد في مسألة من الفرائض إذا كان عالما بالفرائض وأن لم يعلم ما عداه من أبواب الفقه لأن الظاهر من أحكام الفرائض أنها لا تستنبط من غيرها إلا نادرا والذهاب عن النادر لا يقدح في الاجتهاد ألا ترى أن المجتهد قد يخفي عليه من النصوص اليسير ولا يقدح ذلك كونه من أهل الاجتهاد، صلى الله عليه وسلم – باب الاجتهاد في كيفية فتوى المفتي – صلى الله عليه وسلم أعلم أنه لا يجوز للمفتي أن  يفتي بالحكاية عن غيره بل إنما يفتي باجتهاده لأنه إنما يسأل عما عنده ولا يسأل عن قول غيره وإن سئل أن يحكي قول غيره جاز له حكايته ولو جاز أن يفتي بالحكاية جاز للعامي أن يفتي بما يجده في كتب الفقهاء ومتى لم يتقدم من المفتي اجتهاد في المسألة وجب عليه الاجتهاد فيها قبل الفتوى فإن تقدم منه اجتهاد وقول في المسألة وكان ذاكرا لذلك القول وطريقة الاجتهاد لم يجب عليه تجديد الاجتهاد لأنه 
كالمجتهد في الحال وإن لم يذكر طريقة الاجتهاد فهو في حكم من لا اجتهاد له فالواجب عليه تجديد الاجتهاد3.


تطبيق القاعدة

روي مسلم من حديث عمر بن عبد الله بن الأرقم أن سبيعة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قالت، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمر في بالتزويج إن بدالي. قال ابن شهاب: فلا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها. غير أن زوجها لا يقربها حتى تطهر وعلى هذا جمهور العلماء وأئمة الفقهاء، وقال الحسن والشعبي والنفعي وحماد: لا تنكح النفساء ما دامت في دم نفاسها.

وذكر عبد الرزاق قال: حدثنا معمر عن الزهري عن عروة قال: خرجت عائشة بأختها أم كلثوم – حين قتل عنها زوجها طلحة بن عبيد الله إلى مكة في عمرة، وكانت تفتي المتوفى عنها زوجها بالخروج في عدتها. قال: وحدثنا الثوري، عن عبيد الله بن عمر أنه سمع القاسم بن محمد يقول أبي الناس ذلك عليها.

يقول وحدثنا معمر، عن الزهري قال: أخد المرتخصون في المتوفى عنها زوجها يقول عائشة، وأخذ أهل الورع والعزم يقول ابن عمر وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب كان يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء يمنعهن الحج وهذا من عمر رضي الله عنه اجتهاد4.


ج – قاعدة الواجب الاجتهاد والحق واحد.

توضيح القاعدة

الاجتهاد مسبوق بالأدلة لأنه طلبها والدلالة متأخرة عن الحكم فلو تحقق الاجتهادان لاجتمع النقيضان ولأنه قال عليه السلام " من اجتهد فأصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر" لأن الاجتهاد عبارة عن طلب دلالة الدليل على الحكم والطلب مسبوق على المطلوب فيكون الاجتهاد متأخرا عن الدلالة والدلالة 
متأخرة عن الحكم بها لأنها نسبة بين الدليل الذي هو المطلوب والمدلول فيلزم منه أن يكون الاجتهاد متأخرا عن الحكم5.


تطبيق القاعدة

قال مالك والشافعي وأحمد ثور، عدتها حيضه، وهو قول ابن عمر. وروي عن طاووس أن عدتها نصف عدة الحرة، المتوفى عنها. وبه قال قتادة: قال ابن المنذر. ويقول ابن عمر. أقول لأنه الأقل مما قيل فيه وليس فيه سنة تتبع ولا إجماع يعتمد عليه، وذكر اختلافهم في عدتها في العتق كهوة في الوفاة سواء، إلا أن الأوزاعي جعل عدتها. في العتق ثلاث حيض.

وقال القرطبي أصح هذه الأقوال قول مالك لأن الله سبحانه قال: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" فعلق وجوب ذلك يكون المتربصة زوجة. فدل على أن ألامه بخلافها. وأيضا فإن هذه أمة موطوءة يملك اليمين، فكان استب راؤها بحيضه، أصل ذلك الأمة.


د- قاعدة الاجتهاد الجماعي أولى من الفردي.

توضيح القاعدة

الاجتهاد الجماعي أول من الاجتهاد الفردي ولا سيما في هذا الزمان الذي تعقدت فيه أمور الحياة بجميع نواحيها. وتشبعت مسائلها. وصار يصعب على الفقيه تصور كثير من الأمور المحدثة، فضلا عن الإفتاء فيها. ومن هنا نشأت فكرة تأسيس المجامع الفقهية لتنظر في الأمور الطارئة وتبين الحكم فيها. وليس الأمر مقصورا على المجامع الفقهية بل يمكن اجتماع عدد من الفقهاء مع الاختصاصيين المسلمين الثقات في المسائل النازلة في المجال المالي والمعاملات الاقتصادية أو الأمور الطبية، ليعطوا صورة صادقة عن القضية ووصفا كاملا لها. فيأخذ الفقهاء تصورا شاملا للمسألة من أهل الاختصاص، ثم يخرجون بحكم صحيح لنازلة.


تطبيق القاعدة

قال أبو حاتم، في هذا الخبر بيان واضح أن صلاة المأمومين قعودا إذا صلى إمامهم قاعدا، من طاعة الله جل وعلا التي أمر الله بها عباده وهو عندي ضرب من الإجماع الذي أجمعوا على أجازته، لأن من 
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أربعة أفتوا به: جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأسيد بن خطير وقيس بن فهد ولم يرو عن أحد من الصحابة الذين شهدوا هبوط الوحي والتنزيل، وأعيذوا من التعريف والتبديل، خلاف لهؤلاء الأربعة لا بإسناد متصل ولا منقطع، فكأن الصحابة أجمعوا على أن الإمام إذا صلى قاعدا كان على المأمومين أن يصلوا قعودا، ونه قال جابر بن زيد والاوزاعي ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم/ وأبو أيوب سليمان بن داود الهاشمي وأبو خيثمة وابن أبي شيبة ومحمد بن إسماعيل ومن تبعهم من أصحاب الحديث مثل محمد بن نصر ومحمد بن إسحاق بن خزيمة. وهذه السنة رواها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك، وعائشة وأبو هريرة وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأبو إمامة الباهلي.





1 الكتاب مختار الصحاح للمؤلف: زيد الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي توفي 666 هجرية 1 الصفحة 63.
2 شرح مختصر الروضة للمؤلف سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين توفي 716 هجرية. تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي النشر. مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى 1407 هجرية / 1987 ميلادية الجزء 3 الصفحة 576.
3الكتاب المعتمد في أصول الفقه للمؤلف محمد بن علي الطيب أبو الحسين البصري المعتزل توفي 436 تحقيق خليل الميبس. النشر دار الكتب العلمية – بيروت الطبعة الأولى 1403 الجزء 2 الصفحة 359.
4 للقاعدة مثال كذلك في الصفحة 131.
5 الكتاب الاجتهاد للمؤلف عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي ركن الملقب بإمام الحرمين توفي 478 هجرية. تحقيق عبد الرحمان أبو زنيد النشر دار القلم دارة العلوم الثقافية – دمشق – بيروت الطبعة الأولى 1408 الجزء 1 الصفحة 29.

في اماني الله

1/Post a Comment/Comments

إرسال تعليق

أحدث أقدم